أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

167

شرح مقامات الحريري

فمعنى اربأ بنفسك : أي ارتفع بموضع ممتنع واحترس فيه لتنجو . سدى : مهملا . استظهار : استعداد ، وقد استظهرت بالشيء فظهرت به وأظهرته إذا جعلته خلف ظهرك حماية ووقاية ، والظهير المعاون . والعلائق : كلّ ما يعلق القلب بحب الدنيا . والرفاهة : الخفض والعيش الهنيء . الأسرار : البواطن ، يريد أنّ سرّ الإنسان وخاطره إذا قطع علائق الدنيا كان مترفّها خالي السر والبال . أرقب : أحرس . سالمت : صالحت . كيدها : مكرها . الغدار : الذي يؤمّنك فإذا أمنته خانك . وتوثبه : تهيّؤه للوثب عليك . خطوبها : أمورها ونوازلها . تفجأ : تأتي على غفلة . ونت : فترت : والسري : مشي الليل . الأقدار : ما يقدره اللّه على العبد من خير أو شر ، فيقول : إذا أمنتك الدنيا من مكرها ، فلا تأمنها فخطوبها تأتي على غفلة بعد أمد طويل ، وضمّن هذا الشعر وصايا في التحذير من الدنيا . * * * [ التحذير من الدنيا وغرورها ] ونسوق هنا من النظم والنثر ما ينتظم في سلك ما نظم ، قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 1 » . وقال : « الدنيا حلوة خضرة ، فمن أخذها بحقها بورك له فيها ، ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل الذي لا يشبع » « 2 » . وقيل لعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : صف لنا الدنيا ، فقال : ما أصف من دار أوّلها عناء وآخرها فناء ، حلالها حساب ، وحرامها عذاب ؛ من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن . وقال ابنه محمد ابن الحنفيّة : من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا . وقيل لبعض الحكماء : صف لنا الدنيا ، فقال : أمل بين يديك وأجل مطلّ عليك ، وشيطان فتّان ، وأمانيّ جرّارة العنان ، تدعوك فتستجيب ، وتزجرها فتخيب . وقيل لآخر : صف لنا الدنيا ، فقال : ناقضة للعزيمة ، مرتجعة للعطية ، كل من فيها يجري إلى ما لا يدري . وقال هارون الرشيد : لو قيل للدنيا : صفي نفسك ، ما وصفت نفسها بأكثر من قول أبي نواس : [ الطويل ]

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 1 ، والترمذي في الزهد باب 16 ، وابن ماجة في الزهد باب 3 ، وأحمد في المسند 2 / 197 ، 323 ، 389 ، 485 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الفتن باب 26 ، والزهد باب 41 ، وابن ماجة في الفتن باب 19 ، والدارمي في الرقاق باب 37 ، وأحمد في المسند 3 / 7 ، 19 ، 22 ، 46 ، 61 ، 6 / 68 .